أحمد ياسوف

254

دراسات فنيه في القرآن الكريم

ويغلب أن تكون لذة الموسيقا الخالصة غامضة الأسباب ، أما إذا وجدت في الفن القولي ، فتصبح لذة معروفة واضحة المعالم لاقترانها بالمعاني التي تحملها أصوات الحروف ، وهذا أسمى ما يتجلى في القرآن الكريم . وإذا كانت الدربة على الاستماع منذ حداثة السن ذات فائدة كبرى فإن ما يصنعه المسلمون من تعليم الأطفال ترتيل القرآن الكريم خير وسيلة لتهذيب الخلق إلى جانب المعارف الدينية . وإذا كانت الموسيقا تهذب الأخلاق وتكون أشخاصا معتدلي المزاج فإن هذا مشاهد في الواقع الحسي ، إذ يتسم المؤمنون الأتقياء باعتدال المزاج لكثرة مراجعتهم لكتاب اللّه عز وجل ، خصوصا القرّاء المجوّدون منهم وأهل الأناشيد الدينية . وقد أدرك العلماء المسلمون هذه الجمالية وضرورتها ، قال ابن عبد ربه ( - 328 ه ) الذي خصّص الياقوتة الثانية للألحان : « وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خير الدنيا والآخرة ، فمن ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق من اصطناع المعروف ، وصلة الرحم ، والذب عن الأعراض ، والتجاوز عن الذنوب . . حتى إن البهائم لتحنّ إلى الصوت وتعرف فضله ، والنحل أطرب الحيوان كله إلى الغناء » « 1 » . إن القراءة المتأنية للقرآن الكريم تضع القارئ والمستمع أمام إيقاع Rythm يتوحد بالمعاني ولا ينفر منها ، بما أن الإيقاع نظام كوني ، فلا عجب أن يميل إليه الإنسان أينما وجد ، يقول أبو صالح الألفي : « إن الإيقاع على فترات مألوفة متساوية ظاهرة مألوفة في طبيعة الإنسان نفسه ،

--> ( 1 ) العقد الفريد ، ابن عبد ربه : 4 / 88 ، وراجع الاتجاه النفسي في النقد ، د . فيدوح ، ص / 446 - 452 حول الموقف الشعوري والوزن .